السيد كمال الحيدري
275
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
ويديره على أحسن وجه . ثمّ إنّ الشيطان لا يمارس دوره في دفع الإنسان إلى الشرّ بمعزل عن إرادة الإنسان نفسه ، ومن دون الاستعانة بغرائزه . على أنّ الأهمّ من ذلك كلّه هو ما ذهب إليه الاكوينى من حدّ قدرة الشيطان على فعل العجائب بحيث يُرمى كلّ شرّ وجميع ما يسوء الحياة الإنسانية بربقة الشيطان . فللشيطان قدرة لكن ليس إلى الحدّ الذي تعبث فيه بنظام الطبيعة ، وتتحدّى سلطان الله وحكمته والنظام الذي أجرى به العالم . وما ينسب إلى الشيطان من خوارق وعجائب وأفانين هي من خداع الحسّ الإنسانى وتعبير عن ضرب من الالتباس والتمويه على الناس ، وإلّا فالخارق بالمعنى اللاهوتي أو الديني لا يصدر إلّا من خالق الوجود وبإذنه « 1 » . تسمح هذه الرؤية بفسحة واسعة للحديث عن الشرّ في إطار فواعل أخرى غير الشيطان ، مثل الطبيعة والإنسان ، وتبتعد إلى حدٍّ كبير عن الطابع الجبري الذي يصوّر للناس أنّ الشرور مطلقاً هي أمر مفروض على الإنسان لا سبيل إلى مكافحته أو الحدّ منه ، إذ ما عليه إلّا أن يذعن لها كما يذعن لبقيّة مظاهر الوجود ومكوّناته ونظمه ، كالليل والنهار وحركة الكواكب والنجوم . هذه الزحزحة الجزئية التي حصلت في دور الشيطان من الشرّ الكوني سمحت لاحقاً بنشوء تيّارات في وسط العالم الأوربى أكثر انفتاحاً في التعاطي مع فكرة الشرور . فمع رمز آخر من رموز اللاهوت المسيحي في القرون الأوربية الوسطى ، برز مارتن لوثر ( 1546 1483 م ) بمقولات تحكى كسر سطوة الشيطان واحتكاره الشرور وحده ، من قبيل نصيحته للمؤمنين من أنّ الشيطان سخرية فاضحكوا منه ولا تهابوه ، وأيضاً من قبيل ما كان يصف به دعوته من أنّه في حرب مع الشياطين ، في إشارة لا تخلو من التعريض المزدوج
--> ( 1 ) ينظر : إبليس ، ص 305 فما بعد .